ابن عربي

169

فصوص الحكم

فليس بذاكر . فإنَّ ذكر الله سارٍ في جميع العبد لا من ذَكَرَه بلسانه خاصة . فان الحق لا يكون في ذلك الوقت إلا جليس اللسان خاصة ، فيراه اللسان ( 1 ) من حيث لا يراه الإنسان : بما ( 2 ) هو راءٍ وهو البصر ( 3 ) . فافهم هذا السِّر في ذكر الغافلين ( 4 ) . فالذاكر من الغافل حاضر بلا شك ، والمذكور جليسه ، فهو يشاهده . والغافل من حيث غفلته ليس بذاكر : فما هو جليس الغافل . فالإنسان ( 5 ) كثير ما هو أحدى العين ، والحق أحدى العين كثير بالأسماء الإلهية : كما أن ( 6 ) الإنسان كثير بالأجزاء : وما يلزم من ذكر جزءٍ ما ذكر جزء آخر . فالحق جليس الجزء الذاكر منه والآخر متصف بالغفلة عن الذكر . ولا بد أن يكون في الإنسان جزء يَذكُرُ به يكون ( 7 ) الحق جليس ذلك الجزء ( 8 ) فيحفظ باقي الأجزاء بالعناية . وما يتولى الحقُّ هدمَ هذه النشأة بالمسمى موتاً ، وليس بإعدام وإنما هو تفريق ، فيأخذه إليه ، وليس المراد إلا أن يأخذه الحق إليه ، « وإِلَيْه يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه » فإذا أخذه إليه سوّى له مركباً غير هذا المركب من جنس الدار التي ينتقل ( 9 ) إليها ، وهي دار البقاء لوجود الاعتدال : فلا يموت أبداً ، أي لا تُفَرَّق أجزاؤه . وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ، ولكن في النار إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون برداً وسلاماً على من فيها . وهذا نعيمهم . فنعيم أَهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين أُلقِيَ في النار فإنه عليه السلام تعذب برؤيتها وبما تَعَوّد ( 10 ) في علمه وتقرر من

--> ( 1 ) ن : + بما هو راء ( 2 ) ا : فيما ( 3 ) « وهو البصر » ساقط من « ا » و « ن » ( 4 ) ن : فافهم ذكر الغافلين وافهم هذا السر في ذكرهم ( 5 ) ب : فإن الإنسان . ن : والإنسان ( 6 ) ن : أما ( 7 ) ب : ويكون ( 8 ) ن : الجليس ( 9 ) ب : ينتقل ( 10 ) ا : تعوذ بالذال .